ابن قيم الجوزية
20
الطب النبوي
العفن ، سببا لانضاج مواد غليظة لم تكن تنضج بدونها ، وسببا لتفتح سدد لم تكن ( 1 ) تصل إليها الأدوية المفتحة . وأما الرمد الحديث والمتقادم : فإنها تبرئ أكثر أنواعه برءا عجيبا سريعا . وتنفع من الفالج واللقوة والتشنج الامتلائي ، وكثيرا من الأمراض الحادثة عن الفضول الغليظة . وقال لي بعض فضلاء الأطباء : إن كثيرا من الأمراض نستبشر فيها بالحمى : كما يستبشر المريض بالعافية ، فتكون الحمى فيه أنفع من شرب الدواء بكثير : فإنها تنضج من الاخلاط والمواد الفاسدة ، ما يضر بالبدن ، فإذا أنضجتها صادفها الدواء : متهيئة للخروج بنضاجها ، فأخرجها . فكانت سببا للشفاء ( 2 ) . وإذا عرف هذا فيجوز : أن يكون مراد الحديث من أقسام الحميات العرضية . فإنها تسكن على المكان : بالانغماس في الماء البارد ، وسقى الماء البارد المثلوج . ولا يحتاج صاحبها مع ذلك إلى علاج آخر . فإنها مجرد كيفية حارة ( 3 ) متعلقة بالروح ، فيكفي في زوالها مجرد وصول كيفية باردة : تسكنها وتخمد لهبها ، من غير حاجة إلى استفراغ مادة ، أو انتظار نضج . ويجوز : أن يراد به جميع أنواع الحميات . وقد اعترف فاضل الأطباء جالينوس : بأن الماء البارد ينفع فيها ، قال في المقالة العاشرة من كتاب " حيلة البرء " : " ولو أن رجلا شابا ، حسن اللحم ، خصب البدن - في وقت القيظ ، وفى وقت منتهى الحمى - وليس في أحشائه ورم ، استحم بماء بارد ، أو سبح فيه - : لانتفع بذلك " . وقال : " ونحن نأمر بذلك بلا توقف " .
--> ( 1 ) كذا بالأصل . وفى الزاد ( ص 71 ) : " يكن " وكلاهما صحيح . ( 2 ) إن بعض الأمراض الزمنة - : مثل مرض الروماتزم المفصلي الزمن ، الذي تتصلب فيه المفاصل ، وتصبح غير قادرة على التحرك . أو مرض الزهري الزمن في الجهاز العصبي - تتحسن كثيرا بارتفاع درجة حرارة الجسم ، أي : في حالات الحميات . ولذلك من ضمن طرق العلاج الطبي - في مثل هذه الحالات - : الحمى الصناعية . أي : خلق حالة حمى في المريض بحقنة بمواد معينة اه د . ( 3 ) كذا بالأصل . وفى الزاد : " حادة " ، وهو تصحيف .